قد يقع الإنسان في الحلف دون قصد أو يحلف على أمر ثم لا يتمكن من الوفاء به وهنا تظهر رحمة الإسلام وتيسيره حيث شرع كفارة اليمين كوسيلة لتكفير الخطأ وتطهير الذمة وتعويض ما فات مع فتح باب الأجر والثواب. فكفارة اليمين ليست مجرد واجب شرعي يُؤدى بل فرصة عظيمة لعمل الخير وإعانة المحتاجين ونيل رضا الله تعالى وقد جاءت أحكام كفارة اليمين واضحة وميسّرة تراعي أحوال الناس المختلفة وتجمع بين العبادة والتكافل الاجتماعي مما يجعل أداءها بالشكل الصحيح سببًا في الأجر والمغفرة.
ما هي كفارة اليمين؟
كفارة اليمين هي ما يلتزم به المسلم شرعًا إذا حلف يمينًا منعقدة ثم حنث فيها أي لم يفِ بما حلف عليه. وقد شرعها الله تعالى لتكون تطهيرًا للنفس وجبرًا لما وقع من تقصير.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ…﴾ [المائدة: 89].
وتُظهر هذه الآية أن الكفارة شُرعت للأيمان المعقودة المقصودة لا للأيمان التي تجري على اللسان دون قصد.
متى تجب كفارة اليمين؟
تجب كفارة اليمين عند تحقق ثلاثة أمور أساسية:
- أن يكون اليمين يمينًا منعقدة أي حلفًا مقصودًا على أمر مستقبل
- أن يكون الحالف مدركًا لمعنى اليمين وغير مكره
- أن يقع الحنث باليمين أي مخالفة ما حلف عليه
ولا تجب الكفارة في حالات:
- لغو اليمين كقول: “والله” دون قصد الحلف
- اليمين على أمر ماضٍ مع اعتقاد صدقه
- اليمين على معصية بل يجب ترك المعصية ولا كفارة فيها عند بعض أهل العلم
ومتى حنث المسلم في يمينه المنعقدة وجب عليه إخراج الكفارة دون تأخير.
طرق إخراج كفارة اليمين
بيّن الله تعالى طرق إخراج كفارة اليمين بوضوح وجعلها على التخيير ثم الترتيب مراعاة لأحوال الناس وقدراتهم.
أولًا: إطعام عشرة مساكين
وهو الأصل في كفارة اليمين ويكون بإطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله وليس من أدناه ولا من أفخره.
ويتحقق الإطعام بعدة صور منها:
- تقديم وجبة مشبعة لكل مسكين
- توزيع سلال غذائية تكفي الحاجة
- توكيل جهة خيرية موثوقة بتنفيذ الإطعام
ثانيًا: كسوة عشرة مساكين
وهي إعطاء كل مسكين ما يُعد لباسًا ساترًا يُمكنه الصلاة فيه حسب العرف السائد.
ثالثًا: تحرير رقبة
وهذا الخيار كان متاحًا سابقًا وهو متعذر في زماننا.
رابعًا: صيام ثلاثة أيام
يكون الصيام عند العجز عن الإطعام أو الكسوة ويشترط أن تكون الأيام متتابعة عند كثير من أهل العلم.
هل يجوز دفع كفارة اليمين مالًا؟
الأصل في كفارة اليمين هو الإطعام أو الكسوة وليس إخراج المال مباشرة. لكن يجوز عند كثير من العلماء دفع المال إذا كان سيُحوَّل فعليًا إلى إطعام المساكين خاصة عند التوكيل.
ولهذا فإن التبرع المالي للجمعيات الخيرية الموثوقة جائز بشرط:
- أن تُصرف القيمة في إطعام أو كسوة المساكين
- أن تكون بنية كفارة اليمين
- أن يتم التنفيذ وفق الضوابط الشرعية
دور الجمعية في تنفيذ كفارة اليمين
تلعب الجمعيات الخيرية دورًا مهمًا في تسهيل أداء كفارة اليمين خاصة لمن لا يستطيع تنفيذها بنفسه أو لا يعرف المستحقين.
وتقوم الجمعية عادةً بـ:
- استقبال طلبات كفارة اليمين
- تحديد عدد الكفارات بدقة
- توجيه التبرعات إلى إطعام عشرة مساكين عن كل يمين
- ضمان وصول الكفارة لمستحقيها الشرعيين
- حفظ كرامة المستفيدين أثناء التوزيع
كما توفر الجمعيات آليات حديثة تسهّل أداء الكفارة في وقت قصير وبنية صحيحة.
الحكمة من تشريع كفارة اليمين
شرع الله كفارة اليمين لحِكَم عظيمة منها:
- تعظيم شأن اليمين وعدم التهاون به
- تربية النفس على الوفاء بالعهد
- فتح باب التوبة والتكفير عند الخطأ
- دعم الفقراء والمساكين
- تحقيق التكافل الاجتماعي
فهي تشريع يجمع بين تهذيب السلوك الفردي وتحقيق المصلحة المجتمعية.
الأسئلة الشائعة
هل يجوز دفع كفارة اليمين مالًا؟
يجوز دفع المال إذا كان سيُصرف فعليًا في إطعام أو كسوة المساكين عبر جهة موثوقة ولا يُجزئ المال المجرد دون تحويله إلى الإطعام.
هل يمكن إخراج كفارة اليمين أونلاين؟
نعم يمكن إخراج كفارة اليمين أونلاين عبر الجمعيات الخيرية المعتمدة التي تلتزم بتنفيذها شرعًا.
لمن تُصرف كفارة اليمين؟
تُصرف كفارة اليمين للفقراء والمساكين فقط ولا يجوز صرفها في غيرهم من مصارف الزكاة أو الصدقات العامة.
إن كفارة اليمين رحمة من الله تعالى وفرصة لتدارك الخطأ وطريق لنيل الأجر وتطهير الذمة. فهي ليست عبئًا على المسلم بل باب خير يُفتح له يجمع بين الطاعة والإحسان ويجعل من الخطأ سببًا للأجر إذا أُدي بالشكل الصحيح فاحرص على أداء كفارة يمينك وفق ما شرعه الله ونيّة صادقة لتكسب الأجر وتبرأ ذمتك وتسهم في سد حاجة محتاج وتحقق معنى التكافل الذي دعا إليه الإسلام.